من يُخبِر روحي أنْ تطفيءَ فانوس العشقِ وتُغلِق هذا الشبّاك
فإن غبار الليل تعرّى كالطفل،
وإن مسافاتٍ خضراء احترقت في الوعي،
فأوقدت ثقاباً أزرق، في تلك النيران الخضراء،
لعلّي في النار...
أرى.
ولعلّ اللحظة تعرفني.
حزن غولي بالألات الوترية الضخمة، تشقّه صراخات مضيئة حادة بالوتريات الناعمة... أمام وراء بلا ومضةِ إثارة، يعطيان الوتريات تضوّرها الموحش المخيف، وتحدياتها وأفراحها الناعمة القوية في قلب ذلك النغم الورائي المسيطر... التناقض يستمرّ حتى النهاية يتشبّث ببعضه حتى تنتصر الحياة بأن تنبجس ورقة خضراء صغيرة على ذلك الموت الذي يقرع بطبله منذ الأزل...
وخلال ذلك تهوِّم انسجامات ذاتية مفرطة الأناقة والتأمّل، مقابل نثرية فظّة هي التناقض الآخر الضروري... وشيئاً فشيئاً تهلك التفاصيل والجزئيات المهمّة ليطلّ مهيباً التوليف الذي لم يصل إليه بعد، ولكنه يدور بقلبي وأوشك أن أذوقه في الحركة الرابعة من الوتريات.
إنها محاولتي للخلاص من الآلة الواحدة والضجر في الشعر العربي والتي هي وحدتي الموروثة، باتجاه بناء سمفوني ملحمي يؤالف بين التأجج الفردي المتعجّل، وخطى التاريخ الثقيلة البطيئة الواثقة...
هنا حركتان من الوتريات، وما زلت أغور في لجج الحركة الرابعة التي يرتفع فيها نشيد الجوقة البشرية مرافقاً شروق الشمس في داخل الإنسان.
في تلك الساعة من شهوات الليل
وعصافير الشوك الذهبية
تستجلي أمجاد ملوك العرب القدماء
وشجيرات البرِّ تفيحُ بدفء مراهقةٍ بدوية، يكتظ حليب اللوز
ويقطر من نهديها في الليل،
وأنا تحت النهدين،
إناء
في تلك الساعة حيث تكون الأشياء،
بكاءً مطلق، كنت على الناقة مغموراً بنجوم الليل الأبدية
أستقبل روح الصحراء.
يا لهذا البدوي الضالع بالهجرات
تزوّد قبل الربع الخالي
بقطرة ماء.
*ابن النخله الحالمه
كيف اندسّ بهذا القفث المقفل في زائخة الليل؟!
كيف اندسّ كزهرة لوز
بكتاب أغانٍ صوفية؟!
كيف اندسّ هناك،
على الغفلة مني
هذا العذب الوحشي الملتهب اللفتات
هروباً ومخاوف؟؟َ!
يكتب فيّ...
يمسح عينيه بقلبي، في فلتة حزنٍ ليلية
يا حامل مشكاة الغيب بظلمة عينيك
ترنّم من لغة الأحزان،
فروحي عربية....
يا طيرَ البرِّ!
أخذت حمائم روحيَ في الليل،
إلى منبع هذا الكون،
وكان الخلق يفيض،
وكنت عليّ حزين.
وغسلت فضاءك في روحٍ أتعبها الطين
تعب الطين
سيرحل هذا الطين قريباً،
تعب الطين
عاشر أصناف الشارع في الليل
فهُم في الليل سلاطين
نام بكلّ امرأة
خبأ فيها من حرِّ النخل بساتين
يا طير البرق!
أريد أمرأة دفءَ
فأنا دفء
جسداً كفءُ، فأنا كفء
تعرقُ مثل مفاتيحِ الجنّة بين يدي وآثامي
وأرى فيك بقايا العُمر وأوهامي
يا طيرَ البرق القادم من جنّات النخل بأحلامي!
يا حامل وحي الغسق الغامض في الشرق
على ظلمة أيامي
أحمل لبلادي
حين ينامُ الناسُ سلامي
للخطِّ الكوفي يُتمُّ صلاة الصبْحِ
بإفريز جوامعها،
لشوارعها
للصبرِ
لعليٍّ يتوضأ بالسيف قبيل الفجرِ
أنبيك عليّاً
ما زلنا نتوضأ بالذّلِِ،
ونمسح بالخرقة حدَّ السيفِ.
ما زلنا نتحججُ بالبرد وحرِّ الصيفْ
ما زالت عورة عمرو ابن العاص معاصرة.
وتقبِّح وجه التاريخ.
ما زال كتاب الله يعلّق بالرمح العربية!
ما زال أبو سفيان بلحيته الصفراء،
يؤلِّب باسم اللّات،
العصبيات القبلية
ما زالت شورى التجّار، ترى عثمان خليفتها
وتراك زعيم السوقية!
لو جئت اليومَ؟
لحاربك الداعون إليكَ
وسمّوكِ شيوعية.
يا ملك البرق الطائر في أحزان الروح الأبدية!
كيف اندسّ كزهرة رؤيا،
في شطحة وجدٍ صوفية؟!
يمسح عن عينيه بقلبي، في غفلة وجدٍ ليلية
يكتب فيَّ
يوقظ فيَّ
ماذا يكتب فيّ؟!
ماذا يوقظ فيَّ؟؟!!
يا مشمس أيام الله بضحكة عينيك!
ترنّم من لغة القرآن
فروحي عربية
هل تصل اللبَّ؟
هناك الناري طريّ
ويزيدك عمق الكشف غموضاً،
فالكشف طريقٌ عدمي
وتشنِّف بوحيك ساعات الليل الشتوي
غموضاً
هناك تلاقي النيران
وتُغتصب الكلمات،
وتُصبح روحي قبل العشق،
بثانية،
فوضى
وأوسِد في فخذ أمرأةٍ عارية،
بئران من الشبق الأسود والسكر يعينيها الفاترتين
وجمرة ريَّا
تقطر نوماً وردياً
تتهرّب كالعطر
وأمسكها
فتذوب بكفيَّا
وأدسّ بأنف المتحفّز بين النهدين،
؟؟ يضحكان عليَّا
عليَّا
يا طير! أُُحب... وأجهل... كيف؟ لماذا؟ من هي؟؟
لا أعرف شيئاً!
ألحبُّ بأن لا تعرف شيَّا
هل تعرف كيف يكون الشاعر بالحبِّ لقاء جميع الأنهار،
ومجنوناً وخرافياً؟
ويهاجر في غابة ضوءٍ من دمعته
ويموت لقاءَ أبديا؟؟
يشتعل الجسد الشمعيّ سنيّا
وأرى تاريخ الشام
مليَّا
وأكاد أقلب أوراق الكرسي الأموي
وتخنقني ريحٌ مرّة
تنفرط الكلمات
وأشعر بالخوف وبالحيرة
تختلط الريح بصوت صحابيّ يقرع باب معاوية
ويبشِّر بالثورة
أبو ذر الغفاري
ويضيء الليل بسيفٍ، يوقد في المهجة
جمرة
ماذا يقدح في الغيب الأزليّ؟؟
أطلوا...
ماذا يقدح في الغيب؟
أسيف عليّ؟؟
قتلتنا الردّة يا مولاي كما قتلتك بجرحٍ في الغرّة
هذا رأس الثورة،
يُحمل في طبقٍ في قصر "يزيد"
وهذي "البقعة" أكثر من يوم سباياك
فيا لله وللحكّام ورأس الثورة
هل عربٌ أنتم؟!!
ويزيدُ على الشرفة يستعرض أعراض عراياكم
ويوزّعهم كلحم الضأن،
لجيش الردّة؟!!
هل عربٌ أنتم؟،
وأراكم تمتهنون الليل،
على أرصفة الطرقات الموبوءة،
أيام الشدّة!!
قتلتنا الردّة
قتلتنا الردّة
قتلتنا الردّة
قتلتنا أنّ الواحد منّا يحمل في الداخل ضده!!
من أين سندري أن صحابياً سيقود الفتنة في الليل،
بإحدى زوجات محمّد؟!!
من أين سندري،
أن الردّة تخلع ثوب الأفعى
صيفاً وشتاءً
تتجدّد؟؟
أنبيك تلوّث وجه العنف،
وضجّ التاريخ دغاوى فارغة
وتجذّ من لياليه
يا ملك الثوّار!
أنا أبكي بالقلب لأن الثورة يزنى فيها
والقلب تموت أمانيه
يا ملك الثوّار! تعالى بسيفك،
إن طواويس يزيد تبالغ في التيه
يا ملك الثوّار أنا في حلٍّ
فالبرق تشعَّب في رئتيّ
وأدمنت النفره
والقلب تعذّر من فرط مراميه
في تلك الساعة من شهوات الليل،
وعصافير الشوك، تُفلي الأنثى بحنين
صنعتني أمي من عسل الليل بأزهار التين
تركتني فوق تراب البستان الدافئ،
يحرسني حجرٌ أخضرْ
وحلمت هناك بسكّين.
وتحرِّك في شفتي سحاق السكر،
أين تركت نداماك حبيبي؟؟!
عبروا جسر السكر،
وماتوا الواحد بعد الآخر
وبقيت أحدِّق في الخمرة،
وحدي
وغمست يدي
وبصمت على القلب
سأسكرْ،
أسكر
أسكر... أسكر ... أسكر... أسكر فالعالم مملوء بالليل
فكيف تعاتبني؟؟!
كيف أتوب؟!
هل تاب النورس من ثقل جناحيه المكسورين؟
وهل تاب الطيب الفاغم في رفع امرأة خاطئة؟!
فأتوب!
هل تاب الخالق من خمر الخلق
ومسح كفيه الخالقتين،
لكل الأوزار الحلوة في الأرض،
فتلك ذنوب
تعال لبستان السرِّ
أريك الربّ
على أصغر برغم وردٍ،
يتضوّع من قدميه الطيبُ
قدماه ملوثتان بشوق ركوب الخيل
وتاء التأنيث على خفّيه
تذوبْ
ما دام هنالك ليل ذئب،
فالخمرة مأواي
وهذا الجسد الشبقي،
غريب
صنعتني ليلة حبٍّ أمي
أقطر في الليل
وأسأل ثلج الإنسان، متى سيذوب؟
تركتني فوق تراب البستان الدافئ
يجمعني الفقراء،
ومرّ غريب،
يعرف قدر الزهر
فأفرد حجريه لروحي
وتساقطت له
ذلك مكتوب.
وبكت.. وجفّ الدمع زبيبا.
يا طير البرق
لقد أوشك ماء العمر يجفّ قريباً
وفتحت معابد روحي المهجورة
إذ كنت سمعتك،
تخفق في الليل، غريباً
أيقظت الأقواس وكلَّ حروف الزهد
تناديك حبيباً
وأمنتك أنّ الشجن الليليَّ
توضأ فيّ
لهيباً
ووضعت أمام سنى عينيك
توسّل كفّي
وما أبقته الأيام لديَّ
وأنت بآفاق الروح شروقاً ومغيباً
وأخذتك للخلوة،
ناديتك: يا ثقتي!
أسرفت عليهم بالخمر،
وأغفيت وخمري بتدفّق بين أصابعهم
فلماذا ثقبوا باطني؟!!
كان الكون معافى...
فلماذا أُنزِل نعش الحزن،
ليدفن في عافيتي؟؟!!
يا طير البرق!
رأيتك وهما في أفق الماضي،
رافق قافلتي
وتساقطت في العتم الكلّي سنى حرفيك، على رئتي
ورأيتك صحواً يتذرذر من نهدين صبيين
كان الشبق الناريّ يعذّبني
منذ كنت حليباً دافئ في النهدين
وكانت تبكي من لذتها،
شفتي
يا للوحشة أنصت،
فستبكي لغتي
ما كدت رأيتك،
لا تكتب في الليل هروبك
من نافذتي
لا تكتب لغة العالم فيَّ
نغرق باللغة الضائعة اليومية
كل فوانيس الله مبلّلة،
ونجومك تلثغ بالنوم
على أبواب الأبدية
وأنا أرقب أن تأتي في غسق جنّ من الفيروز،
بزهرة دفلى من وطني
كسلام الناس،
رمادية
أرقب أنْ تنفر ذوق الباب المهمل،
مرتبك النظرات
وتوقِظ بادية العشق الزاهد في عيني
يا طير! هنالك في أقصى قلبي،
دفنوا رابعة العدوية
وبكيت وشبا الدمع لهيباً
والقلب حمامة برٍّ لألأها الطلّ
تشدو،
والشدو له ظِلُّ
والظِلُّ يمدّ المنقار لشمسٍ في الصحراءْ
لغةٌ ليس يحلّ طلاسمها، غير الضالع بالأضواء
والظلّ لغاتٌ خرساء
وأنا في هذه الساعة،
بوحٌ أخرس،
فوق مساحاتٍ خرساءْ
أتمنّى عشقاً خالص لله
وطيب فمٍ خالص للتقبيل
وسيفاً خالص للثورة
وكشفت مقابر عمري في غسق،
لتراني،
شوكيّ الشفتين
غريباً
لهبي العينين، كأنَّ سماء الله، تعجّ ذنوباً
ما كنت أنام بغير دمىً عارية في المهد،
ألاعبهن، طروباً
كم كان إله الشهوات يقبِّل جسر سريري!
ومددت يدي،
تمسك ضحكته،
ما وصلت كفاي إليه،
وفرّ لعوباً
وامتلأ العمر الفارغ أحلاماً برؤاك.
وأمس أتيت؟؟!!
تأخّرت
فواسفاه! تأخرت
وصار رحيل القرصان إلى بحر الظلمات، قريباً
يا طير البرق! تأخّرت
فإني أوشِك أن أغلق باب العمر ورائي
أوشِك أن أخلع من وسخ حذائي
يا للوحشة!
إسمع:
فوراء محيطات الرعب المسكونة بالغيلان،
هنالك قلعة الصمت،
في القلعة بئرٌ موحشة كقبورٍ ركّبن على بعض،
آخر قبرٍ يفضي بالسر إلى سجن
السجن به قفصٌ تلتف عليه أغاريد ميتة،
ويضمّ بقية عصفورٍ مات قبيل ثلاث قرون،
تلكم روحي.
منذ قرون دفنت روحي
منذ قرون وئدت روحي
منذ كان بكائي
أبحثُ عن ثديٍّ يرضعني،
فأنا خاوٍ...
وأريد حليب امرأة، بإنائي
في تلك الساعة من ساعات الليل يجوع إنائي
والكلمات يصلن لحدِّ الإفراز.
إله نجوم البحر!
لقد أبحرت إليك
كآخر طير في البرّ
وكادوا يقتنصوني
إله البحر! سيكتشفوني
إله البحر! ألست تشمّ مساحات سكاكين الدم
سيكتشفوني.
سباخك يا ربَّ الليلِ!
يشدّ على قدميّ المتورّمتين
وأقدامي تهرب في قلب عدوي
صارخة
وسيكتشفوني
أنقذ مطلقك الكامن في الإنسان
فان مدى المتبقين من العصر الحجريّ
تطاردني
أنقذني من وطني
إذ ذاك التفَّ على جسدي الواهن روح المطلق
متّشحاً بالقسوة والنرجس والزمن
حملتني ريح الغيب على دربٍ
تترقرق فيه بواكير الصبح
وأول عصفور زقزق في الأفق الأزرق، ملتهباً
أمن
أمن.. أمن
أيقظ خبزي
أيقظ في القرية رائحة الخبز
فغافلني تعبي والشبق المتأصِّل فيّ وجوعي للإنسان
فدقّوا باباً موصدة
ناداني صوتٌ ما زال كخيمة عرسٍ عربيّ
والصوت كذلك أنثى،
والغربة حين احتضنتني أنثى
والدكّة أنثى
: من ذاك؟؟
أجبت كنارٍ مطفاة في السهل
: أنا يا وطني!
من هرّب هذه القرية من وطني؟؟!
من ركّب أقنعة لوجوه الناس
والسنة إيرانية؟؟!!
من هرّب ذاك النهر المتجوسق بالنخل على الأهواز،
أجيبوا...
فالنخلة أرضٌ عربية.
حمدانيون، بويهيون، سلاجقة، ومماليك!
أجيبوا،
فالنخلة أرضٌ عربية
يا غرباء الناس!
بلادي كصناديق الشاي مهرّبة
أبكيك بلادي!
أبكيك بحجر الغرباء
وكلّ الحزن لدى الغرباء، مذلّة.
ألأم ستبقى يا وطني! ناقلة للنفط
مدهنة بسخام الأحزان
وأعلام الدول الكبرى،
ونموت مذلّة؟؟!
ألأم أنا وطنٌ في العزلة؟!
يا غرباء الناس! أغضّ لأن الدمع يجرِّح أجفاني
في الحلم يطيبني الدمع،
وتأتي الأفراح! كسلسلة من ذهبٍ من كنزك
يا ملك الأنهار بقلب بلادي
أبكيك بلاد الذبح،
كحانوت تعرض فيه ثياب الموتى
امتد إليك كجسرٍ من خشب الليل،
وسيعبر تاريخ الغربة
كل جسور الليل تسوسن سوى جسري
إحتكّ بكل الجدران،
كأن الغربة قاتلتي!
جربٌ في جلدي
أتشهّى كل القطط الوسخة في الغربة
لكنّ نساء الغربة أسماك
تحمل رائحة الثلج،
وأتعبني جسدي
يا أيّ امرأة في الليل!
تنداس كسلّة تمر بالأقدام
تعالي!
فلكل امرأة جسدي
وتدٌ عربي للثورة، يا أنثى! جسدي
كل الصديّقين وكل زناة التاريخ العربيّ هنا أرث في
جسدي
أضحك ممّن يغريني بالسرج،
وهل يسرج في الصبح حصانٌ وحشي
ورث الجبهة من معركة "اليرموك"
وعيناه "الحيرة"
والأنهار تحارب في جسدي؟؟!
قد أعشق ألف امرأة في ذات اللحظة،
لكنّي أعشق وجه امرأة واحدة
في تلك اللحظة،
امرأة تحمل خبزاً ودموعاً من بلدي
أعبر أسواق اللحم
فأبكي...
يا بلدي! يا سوق اللحم لكل الدول الكبرى!
لكنّك يا بلدي! بالرغم من الدول الكبرى،
بلدي
يا بلداً يتناهشها الفرس، ويجلس فوق تنفّسها الوالي
العثماني
وغلمان الروم
وتحتلم "الجيتات" الصهيونية بالعقد التوراتية فيها
بل يخرج حتى ملك الأحباش بالجائف عورته
في وجهك
يا بلدي! يا بلدي! ورماح بني مازن قادرة على أن تفتك فينا
والكل إذا ركب الكرسيّ،
يكشِّر في الناس كعنترة
فتعالي
تعالي، نبكي الأموات ونبكي الأحياء،
فأنت حزينة
والحزن ثقيلٌ في الليل.
في تلك الساعة من شهوات الليل.
وقرى الأهواز المسروقة من وطني
يتسلّل نحو مخادعها
ملك الريح المكتوب بأقصى الصحراء
والزغب النسوي هناك،
يتيه كرأس الهدهد في البرّية
يكتظّ عليه الدفء كجمرة ليل
وأنا فوق الجمرة مقلوبٌ كإناء.
في تلك الساعة حيث تكون الأشياء هي الشبق المطلق
كنت على الناقة
مذهولاً بنجوم الليل الأبدية
أستقبل روح الصحراء
يا هذا البدوي الممعِن بالهجرات:
تزوّد للقاء الربع الخالي، بقطرة ماء.
يا قاتلتي بكرامة خنجرك العربيّ!
أهاجر في القفر،
وخنجرك الفضيّ بقلبي،
وأنادي:
عشقتني بالخنجر والهجر بلادي
ألقيت مفاتيحي في دجلة أيام الوجد
وما عاد هنالك في الغربة
مفتاح يفتحني
ها أنذا أتكلّم من قِفلي
من أقفل بالوجد
وضاع على أرصفة الشام سيفهمني
من كان مخيّم يقرأ فيه القرآن
يهذا المبغى العربيّ،
سيفهمني
من لم يتزوّد حتى الآن،
وليس يزاود في كل مقاهي الثوريين،
سيفهمني
من لم يتقاعد،
كي يتفرّغ للغو،
سيفهم أيّ طقوس للسرّية في لغتي
وسيعرف كل الأرقام وكل الشهداء وكل الأسماء
وطني علّمني أن أقرأ كل الأشياء
وطني علّمني، علّمني
أن حروف التاريخ
مزوّرة
حين تكون بدون دماء
وطني علّمني أن التاريخ البشريّ
بدون الحبِّ،
عويلاً ونكاحاً في الصحراء
وطني هل أنت بلاد الأعداء؟؟!!
وطني هل أنت بقية "داحس والغبراء"؟!
وطني أنقذني
رائحة الجوع البشري مخيفة
وطني! أنقذني
من مدن سَرَقت فرحي
أنقذني من مدن يصبح فيها الناس
مداخن للخوف وللزبل،
مخيفة
من مدن ترقد في الماء الآسن،
كالجاموس الوطنيّ
وتجترّ الجيفة
أنقذني كضريح نبيٍّ مسروق
في هذه الساعة في وطني،
تجتمع الأشعار كعشب النهر
وترضع في غفوات البرِّ
صغار النوق
يا وطني المعروض كنجمة صبحٍ في السوق
في العلب الليلية يبكون عليك
ويستكمل بعض الثوّار رجولتهم
ويهزّون على الطبلة والبوق
أولئك أعداؤك يا وطني!
من باع فلسطين سوى أعدائك أولئك يا وطني؟؟!
من باع فلسطين وأثرى، بالله،
سوى قائمة الشحّاذين على عتبات الحكّام
ومائدة الدول الكبرى؟
فإذا جنّ الليل،
تطقّ الأكواب، بأن القدس عروس عروبتنا
أهلاً أهلاً...
من باع فلسطين سوى الثوّار الكتبة؟
أولاد الـ......!
لست خجولاً حين أصارحكم بحقيقتكم
إن حظيرة خنزيرٍ أطهر من أطهركم
تتحرّك دكّة غسل الموتى،
أمّا أنتم
لا تهتز لكم قصبة!
ألآن أعرّيكم
في كل عواصم هذا الوطن العربيّ قتلتم فرحي
في كل زقاقٍ أجد الأزلام أمامي
أصبحت أحاذر حتى الهاتف، حتى الحيطان...
وحتى الأطفال.
أقيء لهذا الأسلوب الفجّ
وفي بلدٍ عربيٍّ كان مجرّد مكتوبٍ من أمّي
يتأخر في أروقة الدولة
شهرين قمريين
تعالوا نتحاكم قدّام الصحراء العربية
كي تحكم فينا
أعترف الآن أمام الصحراء،
بأني مبتذلٌ وبذيء وحزين
كهزيمتكم
يا شرفاءً مهزومين!
ويا حكّاماً مهزومين
ويا جمهوراً مهزوماً! ما أوسخنا!!
ما أوسخنا! ما أوسخنا!
ونكابر!!! ما أوسخنا!
لا أستثني أحداً
هل تعترفون؟
في تلك الساعة حيث تكون الرغبة
فحل حمام
في جبلٍ مهجور
وأضمّ جناحيّ الناريين على تلك الأحجية السرّية
وأريج التفّاح الوحشي
يعضّ كذئبٍ ممتلئ باللذة
كنت أجوب الحزن البشري الأعمى،
كالسرطان البحريّ
كأني في وجدي الأزلي
محيطٌ يحلم آلاف الأعوام
ويرمي الأصداف على الساحل
كم أخجلني من نفسي
هذا الهذيان المسرف
بالوجع الأميّ
فإني أتنبأ..
أن بذور اللذة مدّت ألسنة خضراء وشفرات
في رحم الكون
وأعطت جُملاً أبَديَّة.
مولاي!
لقد عاد حمام الجبل المهجور
يمارس عادته النهرية
عادته النهرية..
هل تعرف عادته النهرية؟؟
أمَّا أنت، وأمّا أنت... وأمَّا أنت
فأصحرت
وأصحرت بلا أيِّ صوىً
وعرفتك لا تنوي الرجعة
فالقلب تعلَّم غربته
وتعلَّم بالبرق...
تعلَّم أن لا ينضج كل النضج
فيسقط بالطعم الحلو
ويسقط فيه الطعم الحلو..
وأرهف..، وامتنع النوع عليه،
لأبواق الأزلية
عرف المفتاح الكامن في القفل.
وما يربطه بالقفل الكامن في المفتاح
فباحَث كل الأشياء
وتضرَّج قلبي بالأنباء
يا هذا البدويِّ المسرف بالهجرات! لقد ثقُل الداء
تتريّقك لليل
فلا بدّ لهذا الليل دليل
يعرف درب الآبار،
ويقنع بالحدو الناقة، بالصحراء:
يا هذا البدويِّ! تزوَّد..
واشرب ما شئت،
فهذا آخر عهدك بالماء
من يخبر روحي
أن تطفئ فانوس العشق
وتغلق هذا الشبّاك
فإن غبار الليل تعرّى كالطفل،
وإن مسافاتٍ خضراء احترقت في الوعي
فأوقدت ثقاباً أزرق،
في تلك النيران الخضراء
لعلّي في النار
ارى...
ولعلّ اللحظة تعرفني
من ذلك يأتي بين النَّث وبين عواء الذئب
وبين هروبي في النخل،
يرافقني نصف الدرب
وبعد النصف... يقول،
يرافقني!!!
وقفت أمام الجلاّد،
بصقت عليه من الأنف إلى القدمين
فدقّت رأسي ثانية بالأرض..،
وجيء بكرسي حفرت هوّة رعبٍ فيه،
ومزِّقت الأثواب عليَّ
إبتسم الجلاّد كأن عناكب قد هربت
أمسكني من كتفيَّ وقال:
على هذا الكرسي خصينا بضع رفاق
فاعترف الآن...
على هذا الكرسيِّ... اعترف الآن...
اعترف الآن...
اعترف... اعترف... اعترف الآن.
عرقت... وأحسست بأوجاع في كلِّ مكانٍ من جسدي
اعترف الآن...
وأحسست بأوجاع في الحائط
أوجاع في الغابات والأنهار، وفي الإنسان الأوّل...
أنقذ مطلقك الكامن في الإنسان!
توجّهت إلى المطلق في ثقة، كان أبو ذر خلف زجاج
الشبّاك المقفل
يزرع فيّ شجاعته... فرفضت
رفضت...
وكانت أمّي واقفة قدّام الشعب بصمتٍ...
فرفضت...
اعترف الآن، اعترف الآن
رفضت..
وأطبقت فمي،
فالشعب أمانة في عنق الثوري




